العدد الاخير من مجلة الحدث

العدد الاخير من مجلة الحدث

تابعنا

مواضيع متنوعة

استطلاعات الرأي

هل تعتقد بأن الحرب في سورية شارفت على النهاية ؟

Loading ... Loading ...

لا يكذِبُ ”الصدوق”، ولكن قد يصدُقُ ”الكذوب” (!!)

11027974_792473237497729_7858418479457464757_n

بقلم: أسامة عكنان

أحيانا يفاجئنا حدثٌ جللٌ معين لم نتوقعه ولا تعودنا على مثله، فترتبك تحليلاتنا له، وترانا نغرق في صورتنا النمطية في الفهم، ونعمل على ليِّه وتطويعه لمكونات تلك الصورة، لنكتشف لاحقا ومن خلال سيرورة الحدث ومآلاته وطبيعة مُخرجاته، أننا كنا مبالغين في نمطيتنا ربما إلى حدِّ الخطإ، وأنه كان علينا ألا نتعجَّلَ الحكمَ كي نفهمَ الأمر بجوهره الحقيقي كما فرض نفسه، لا كما تعودنا على فهم الواقع الذي تجسَّد فيه الحدث الذي ليس بالضرورة أن يكون هو ذاتُه نسخة طبقَ الأصل في كلِّ مكوناته عما سبقه من أحداث.
إننا لم نتعود – ونحن معذورون في ذلك إلى حدٍّ بعيد – على أن تكون للدول العربية الوظيفية التابعة والغارقة إلى أذقانها في تمرير العلاقات الإمبريالية الصهيونية في الإقليم، مواقفُها الخاصة المستقلة، وغير النابعة عن تنسيقات وترتيباتٍ مع المراكز الإمبريالية المتبوعة، بل وأحيانا عن تعليمات مباشرة من تلك المراكز، خاصة إذا كانت تلك المواقف وما ينتج عنها من قرارات، وما يترتب عليها من سياسات، ذاتَ طابع مصيري في ما يتعلق بإعادة ترتيب الأوراق، أو ربما بإعادة خلطها، بشكل مربك حتى لدى من نفهم أنهم سادةٌ وموجهون لتلك الدول الوظيفية، بخلاف المتوقع والمعتاد.
لذلك ترانا عند كل حدث من الأحداث التي تصنَّف لدينا على أنها أعلى من مستوى اتخاذها باستقلال تام وبقرار فردي ومن منظور مصالح ذاتية من قبل أيِّ كيانٍ وظيفي عربي، نبدأ على الفور في قراءة مبررات ذلك الحدث وأسبابه وخفاياه وأهدافه ونتائجه.. إلخ، فيما يتبادر إلى أذهاننا من عناصر نمطية معتادة لدينا، تتعلق بسياسات وتحركات تلك الكيانات الوظيفية، في ضوء أدوارها الوظيفية، وسجل سياساتها التبعية في ذاكرتينا البعيدة والقريبة.
ولا يخطر على بالنا مطلقا افتراض أن الكيان الوظيفي نفسه ليس بالضرورة ألا تكون له هوامش خاصة به يضعها لتحركاته ومواقفه السياسية، بعيدا حتى عن تعليمات وتنسيقات وترتيبات المتبوع، عندما يستشعر أن مصالحَه الخاصة حتى باعتباره كيانا وظيفيا أصبحت مُهَدَّدة على نحوٍ يتطلب تصرفات ومواقف وتحركاتٍ غير متماهية مع توجهات المتبوع الإستراتيجية في نقطة هنا ونقطة هناك، أو في جزئية هنا وجزئية هناك، مادامت تلك المواقف والتحركات، وإن كانت مُرْبِكَة لمتبوعه ومُحْرِجة له ولإستراتيجياته، لن تُهَدِّدَ العلاقة المتينة معه بأيِّ حال.
ومن أبرز الأمثلة على ما نومئ إليه، موقف السعودية والدول المتحالفة معها فيما أطلقت عليه الرياض “عاصفة الحزم”، وهو ما اعتَبَرَتْه بمثابة استجابةٍ لنداءات الاستغاثة التي أطلقها الرئيس اليمني “عبد ربه منصور هادي” بالتدخل في بلاده لإنقاذ الشرعية من الانقلابيين الحوثيين وحليفهم المخلوع “علي عبد الله صالح”.
فمنذ أن تمَّ إطلاق هذه العملية، وكل الأقلام المعارضة للسعودية عامة ولعمليتها هذه خاصة، تتبارى في أيها أقدر من غيره على استنباط عناصر الإمعان في الوظيفية والعدوان والتبعية للمشروع الإمبريالي، وفي خدمة إسرائيل والصهيونية، وفي قتل الشعب اليمني.. إلخ، في هذه الخطوة العدوانية غير المسبوقة.
إنها مُخرجات الصورة النمطية المعتادة في التعاطي مع كلِّ الأحداث السياسية في الإقليم، وهي الصورة التي لا يمكنها أن ترى في النظام الوظيفي إلا الوظيفية في كلِّ شيء. فحتى لو بدر منه تصرف فيه بعض اللاوظيفية انطلاقا مما تقتضيه بعض مصالحه الخاصة، حتى لو تناقضت بعض التناقض مع مصالح متبوعِه، فلا شكَّ – وفق هذه الصورة النمطية – في أنه يختبئ وراءه لتمرير أعتى أشكال الممارسات الوظيفية.
وهي ذاتها الصورة النمطية التي لا يمكنها أن ترى في من أطلق رصاصة على إسرائيل، أو في من دعمَ من أطلقَ رصاصة على إسرائيل، إلا ملاكا لا يخطئ ولا يُنَجِّسُه شيء، حتى لو أباد شعبا ودمَّر دولة. متناسين أن الكثيرين من أنصار أوسلو اليوم هم تاريخيا ممن قاتلوا إسرائيل في لبنان، مع أنهم أصبحوا في نظر هؤلاء مجموعة من المارقين الخونة، ما يعني أن الرصاصة الشريفة لا تَغْفِر للرصاصة النجسة نجاستَها، وأنَّ كلَّ رصاصة يجب أن تُقيَّم بما تستحقه، أيا كانت نتائج التقييم ومُخرجاته على تاريخ الرصاص المستخدَم من قبل مستخدم الرصاصة التي هي قيدَ التقييم. فالشفاعةُ وجَبُّ الذنوب من جهة، وتعميم الوزر من جهة أخرى، هي في السياسة من الأمور التي لا تنفع في الفهم والمعرفة وتجسيد الوعي.
ولذلك قال العرب القدماء: “لا يكذبُ الصدوق، ولكن قد يصدقُ الكذوب”.
وعندما يصدقُ الكذوب، فإن ما يصدق فيه هو صدق، وليس كذبا لمجرد أنه تاريخيا “كذوب”، أو لمجرد أنه كان كاذبا في كل ما سبق صدقه الاستثنائي هذا. كما أن صدقَه المفاجئ والاستثنائي هذا لا يمحو ذنوبه السابقة، ولا يجعلنا نبحث عن كل الطرق الممجوجة للَيِّ عنق الحقيقة وتفسير كذبه السابق وتبريره. بل هو صادق فيما صدق فيه وفقط، وكاذب في كل ما كذب فيه بدون تحفظ. ولأن الصادق لا يكذب أصلا، فسيبقى هذا الكذوب رغم صدقه مرة، كذوبا حتى تسقط صفة الكذوب عنه بمعايير أخرى مختلفة، لسنا هنا في معرض الحديث عنها.
ولكننا – وكي نُفْهَم على نحوٍ موضوعي منصف، مع أننا نستبعد أن يفهمَنا ذلك الصنف من أنصاف وأرباع المبصرين، وأشباه السياسيين والمثقفين، على ذلك النحو – نشير بداية إلى أننا لم نلتقِ يوما وما نزال على انعدام الالتقاء هذا مع “آل سعود” عائلة، ونظاما، ودينا، وسياسة، واقتصادا، في أيِّ نقطة، وأننا كتبنا عنهم وعن تآمرهم التاريخي لا على العرب والإسلام والمسلمين فقط، وإنما على الإنسانية كلها، ما تشيب له الولدان، بحيث أن عاقلا لا يمكنه أن يُحَمِّلَنا لمجرد قراءةٍ موضوعية في حدث سياسي كبير وخطير كالذي نحن بصدده في هذا المقال، مَغَبَّة أننا نتبنى سياساتِهم أو ندافعُ عنها، مُخرِجا ما سنقوله عن سياق القراءة المحايدة والموضوعية التي تقرأُ الحدثَ من خارجه بتجردِ السياسي الذي يسعى لأن يَفهمَ الحدثَ كما هو في الواقع الموضوعي، لا كما يريده ويتمناه، ليلبسَه لبوس الأيديولوجيا.
بطبيعة الحال لم يصدِّق أحدٌ ولا اقتنع بأن السعودية ومن ورائها منظومة “دول الخليج” كاملة، يمكن لأيٍّ منها أن تتخذ قرار إعلان الحرب ناهيك عن ممارستها فعلا، في منطقة حساسة عالميا مثل اليمن، بدون أن يكون ذلك بأمرٍ مباشر من الولايات المتحدة، وبتنسيق كاملٍ معها، وعبر ترتيبات بممارسة الأدوار ضمن منظومة المهمات الوظيفية، في سياق الصراع الأميركي الإيراني الذي لا يخرج العرب المتخندقين في خندقيه عن مواصفات الأدوات والتوابع ليس إلا.
وعندما تواضع البعض ممن راقت لهم الخطوة السعودية بصرف النظر عن السبب الذي يقف وراء كونها راقت لهم، فأحبوا أن يحرِّروها ولو نسبيا من جرعة التبعية المطلقة للولايات المتحدة، فإنهم وافقوا على اعتبار أن السعودية اتخذت القرار وطلبت الإذن من الولايات المتحدة كي تنفذَه، فوافقت هذه الأخيرة بعد أن وجدت في اقتراح السعودية اقتراحا من ابن بار وذكي يستحق الثناء.
ولكن – مع الأسف والاعتذار لكل هؤلاء – أثبتت الأيام وسيرورة الأحداث ويوميات النزاع منذ انطلق في السادس والعشرين من مارس 2015، أن الأمر لم يكن على ذلك النحو، ولا هو قابل للتفسير والتحليل وفق مكونات الصورة النمطية التي تعودنا عليها في تعاطينا مع دول المنظومة الوظيفية عامة والخليجية منها خاصة، عندما نعمدُ إلى قراءته في ضوء التحليل الموضوعي لمتغيرات الإقليم العميقة. فقد كان الحدث رغم ضخامته واستثنائيته بصفته حدثا، ضخما واستثنائيا أيضا لجهة تفسيره وتحليله وشرحه وفهمه، مبرراتٍ وأسبابا وأهدافا ونتائج متوخاة.
منذ زمن بعيد، وتحديدا منذ بدأت معالم التمدُّد الحوثي التدريجي في اليمن بقوة السلاح منتصف صيف العام الماضي، وسط صمت مطبق للولايات المتحدة أذهل الجميع وأربكهم، ومن خلال ما مارسه المبعوث الأممي السابق لليمن “جمال بن عمر” من محاولاتٍ استاء منها كلُّ اليمنيين، معتبرين إياها نوعا صارخا من تسويق الحوثيين وتبرير توسعهم، وشرعنه مطالبهم، بعيدا عن الحيادية والنزاهة المفترضتين في الوسطاء الدوليين الأمميين عادة.. نقول.. منذ ذلك الوقت، وبسبب ما بدأ يرشحُ إلى السطح في الأزمة السورية من معالم اقتراب الحلول التي ستكون على حساب النفوذ الإيراني وإن يكن نسبيا، نشرنا مقالا أشرنا فيه بوضوح إلى أن ما يحدث في اليمن هو بمثابة “صفقة مقايضة نفوذ” تتم بين الولايات المتحدة وإيران، تُجبَرُ بموجبها إيران على التنازل عن نفوذها في سوريا وبالتالي في لبنان، مقابل استقرار نفوذها في العراق، وتوسعه في اليمن من خلال الحوثيين وحليفهم صالح الذي يبدو أنه وُعِدَ بشيء ما مقابل أن يدعم المتشديين الحوثيين بنفوذه العسكري والقبلي في مناطق الشمال اليمني.
القراءة التقليدية التي ملأت كل وسائل الإعلام أنذاك جعجعةً دون طحن، لم تخرج عن الصورة النمطية التي تَعتبِر أن الولايات المتحدة هي حتما غير راضية عن التوسع الحوثي باعتباره تجسيدا للنفوذ الإيراني الذي تعمل واشنطون على قصقصة أجنحته ومحاصرته في أضيق الحدود، وفي ظل هذه القراءة النمطية بقي دور “بن عمر” غير مفهوم خارج نطاق أنه ينحرف عن مهمته التي يفترض فيها الحياد، دون أن يقدمَ أيُّ طرف تفسيرا مقنعا لسبب الانحراف الواضح والمعلن عن مقتضيات الحياد في مبعوث أممي، لأن أحدا لم يستطع أن يفهمَ أن الولايات المتحدة راضية عن التمدد الحوثي ومساندة له بموجب تفاهماتها السرية مع إيران بشأن تقاسم النفوذ في الإقليم، وأن “جمال بن عمر” هذا من ثمَّ وبوصفه مبعوثا أمميا يتحرك من داخل الرؤية الأميركية، ليشرعنَ الوضع اليمني ويغطيَه دبلوماسيا وسياسيا وقانونيا داخل الإقليم وفي المؤسسة الأممية ذاتها، تمريرا للرؤية الأميركية التي تعرف جيدا أن إيران في اليمن ليس بوسعها التحكم في مضيق باب المندب وتهديد الدول المنتفعة منه انتفاعا مباشرا مثل مصر، إلا إذا وافقت هي – أي الولايات المتحدة – على ذلك ودعمته، ولكنها بنفوذها في اليمن تستطيع تهديد السعودية والضغط عليها.
أي أن الولايات المتحدة بموافقتها على تمدُّد النفوذ الإيراني إلى اليمن تضمن أمرين إستراتيجيين هما أن تتسع دائرة الاحتياجات الأمنية والدفاعية الخليجية عامة والسعودية خاصة لها – أي لواشنطون – في ظل وجود إيران على حدود السعودية الجنوبية، وأن تتواصل وتتسع أكثر دائرة الاحتياجات الأمنية والدفاعية المصرية للولايات المتحدة في ظل وجود تهديد حقيقي محتمل لباب المندب – الذي يعتبر بمثابة بوابة الفؤاد لقناة السويس – من قبل إيران، خاصة في ظل مرحلة مقبلة سوف يتم ضح مئات المليارات من الاستثمارات الاقتصادية في الإقليم سيكون لمصر القسط الأكبر منها، ما يوجب إبقاءها مقيدة باحتياجات أمنية واسعة لواشنطون كي لا تتحرر من الارتباطات التقليدية بالولايات المتحدة.
أي وبتعبير أدق وأكثر وضوحا، فإن الولايات المتحدة لا يمكن لعلاقتها مع إيران أن تقوم على قواعد التعاون الأمني والعسكري المتبادل، انطلاقا من استقلال إيران الحقيقي والكامل عن واشنطون عسكريا وأمنيا لأسباب تتعلق بالتنافس الإمبراطوري في الإقليم، ما يجعل النفوذ الأميركي يترسخ أكثر فأكثر من خلال استفحال حاجة الأطراف المتناقضة مع إيران والقلقة من شأن توسع نفوذها، إلى الدعم الأمني والعسكري الأميركي، وهذه الأطراف هي بكل تأكيد دول الخليج ممثلة في زعيمتها “السعودية” و”مصر”.
واستمر الوضع على هذا النحو، وكل طرف من أطراف معادلات الصراع يحتفظ لنفسه بأسراره وبتحركاته وبرؤاه، إلى أن وصل الوضع في اليمن إلى منتهاه، وبات الحوثيون قاب قوسين أو أدنى من استكمال الهيمنة على الدولة اليمنية، وأصبحت إيران على مقربة من إحكام الطوق الذي طالما حلمت به حول السعودية ودول الخليج التابعة لها من ثمَّ، ولم يعد بمقدور أحد أن ينتظر إلى أن تقع الفأس في الرأس كما يقول المثل.
فجأة وبدون سابق إنذار وعلى غير المتوقع، تنطلق “عاصفة الحزم” التي لم يفهمها أرباع وأنصاف وأشباه السياسيين والمثقفين والمتابعين سوى بأنها تحالفٌ إمبريالي صهيوني سعودي ضد مشروع المقاومة الذي تتزعمه إيران، والذي أراد أن يتمدد ليصل إلى مضيق باب المندب ليحاصر ذلك المشروع المعادي من جهات الدنيا الأربع. إلا أن يوميات الحرب ومُخرجات النزاع السياسية تأبى إلا أن تثبت أننا كنا كرماء جدا عندما وصفنا هؤلاء بأنهم أرباع مثقفين وسياسيين، لأنها ستثبت بما لا يدع مجالا للشك بأنهم لا علاقة لهم لا بالسياسية ولا بالثقافة ولا بالوعي بقضايا التنافس في الإقليم.
بداية، لا يمكن لعاقل تجاوزَ واقعة أن “السعودية” لا يمكنها أن تكون قد اتخذت قرار الحرب ونفذته في ساعتين وبمنتهى الارتجال ودون سابق رصد وتربص ومتابعة، فبنك الأهداف المتلاحقة التي راحت تُضرب يوميا، والدقة النسبية في البيانات اللوجيستية وفي المعلومات الاستخبارية المساندة للحملة الجوية، أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن عملية رصد ومتابعة طويلة الأمد كانت قائمة على قدم وساق في اليمن منذ وقت طويل، ليتسنى تنفيذ عملية تقوم بتحييد وتعطيل كل عناصر القدرة والتحكم في لحظات، وتواصل ضرب الأهداف المنتقاة بنوع من الحرفية معقول إلى حدٍّ ما.
وبمقتضى العلم العسكري فإن عملية جوية بمستوى “عاصفة الحزم” وبمستوى نتائجها المرصودة فعليا تحتاج إلى ما لا يقل عن ستة أشهر من الإعداد والاستعداد الاستخباري واللوجيستي المثابر. أي أن السعودية كانت قد قرَّرت مهاجمة اليمن وإطلاق عاصفة الحزم عندما بدأ الحوثيون بالتمدد خارج “صعدة” و”عمران”، أو ربما قبل ذلك، بعدما تمَّ التأكد التام من أن “جمال بن عمر” يمرِّر أجندة أميركية رأى السعوديون خاصة والخليجيون عامة أن الولايات المتحدة من خلالها لا تبالي بهم، وإنما يهمها ترتبيب أوراقها مع إيران وإن يكن على حسابهم نسبيا.
إن إطلاق “عاصفة الحزم” على ذلك النحو، وبعد أن كانت إيران قد بدأت بترتيب أوراقها السورية واليمنية على النحو التوافقي بينها وبين واشنطون، جعل إيران ترتبك وتضطرب وتتفاجأ، مثلها مثل الولايات المتحدة التي كان عليها أن توصل كل الرسائل المباشرة وغير المباشرة إلى “طهران”، بأنها لا تعلم عن الأمر شيئا، وبأنها لا تعترض على دعم السعودية للشرعية في اليمن على أن يقتصر الأمر على ذلك، وبأنها لا تستطيع تقديم أي دعم لوجيستي من أي نوع للتحالف العربي، وبأنها ستبقى مع أي حل سياسي لأن الخيار العسكري ليس خيارا.. إلخ، لجعل إيران تفهم بأنها خارج اللعبة بالكامل. وهو ما جعل إيران تزداد ارتباكا، لأنها أدركت أن علاقاتها مع الخليج ومع العرب لن تمر بعد اليوم من البوابة الأميركية بالضرورة، وإنما ستكون لها حساباتها الخاصة بعد أن قررت بعض الدول العربية أن تتحرك وفق معادلاتها هي، ووفق حساباتها هي، بعيدا عن الحسبة الأميركية، وعن معادلات التوازن الأميركية الإيرانية في الإقليم. فتشنج الإيرانيون، وصدرت عن قياداتهم العليا تصريحات غير دبلوماسية في حق السعودية، وجن جنون “حسن نصر الله” الذي راح يرعد ويزبد ويهدد ويتوعد ويقول شرقا ما لا يصلح إلا غربا.. إلخ، بعد أن بدأ الجميع يشعرون بأن المشروع الإيراني في الإقليم لن يُقابل بتهاون بعد اليوم، وبأن أوراقه العربية ليست بالضرورة في يدِ أميركا. وازداد الارتباك والاضطراب الإيراني بعد أن قام التحالف “السعودي، القطري ـ التركي” بدعم المعارضة المسلحة المعتدلة في سوريا بشكل غير مسبوق ومن غير استشارة أميركا ومن غير استرضائها أو نيل موافقتها، لتحرزَ تلك المعارضة كل تلك القفزات والانتصارات في صراعها ضد حزب الله والنظام في سوريا، ما ولَّد اليقين لدى قادة المشروع الإيراني وأدواته بأن اللعبة لم تعد سهلة، وبأن هناك طرفا عربيا بدأ يشير ولو مجرد إشارة إلى واقعة أن اللعبة لا يمكنها أن تدار بالكامل بعيدا عنه، وأنه يريد أن يكون لاعبا يحسبُ حسابه.
وماذا بعد (!!)
شأنها شأن موقفها من أيِّ حرب إقليمية، كان على الأمم المتحدة أن تعملَ جاهدة على استصدار قرار من مجلس الأمن بشأن هذه الحرب المفاجئة في اليمن، ورغم كلِّ محاولات روسيا لإفشال القرار حتى بتقديم مشروع قرار آخر بديل كان واضحا أنه قرار كُتبت مسودته في “طهران” وليس في “موسكو”، ورغم كل البرود في مواقف بريطانيا والولايات المتحدة اللتين ظهرتا غير متحمستين للقرار، ومسوِّفَتين في صدوره إلى أبعد الحدود، وبرغم أن فرنسا هي وحدها التي اتخذت موقفا مساندا للموقف العربي في اليمن لأسباب تتعلق بكونها تنتهج في سياستها الخارجية نهجا يتعارض أحيانا مع مواقف الحلف الأنجلوساكسوني البريطاني الأميركي، إلا أن إصرارَ السعودية ودول التحالف على مواقفها جعل القرار يصدر تحت البند السابع بامتناع خجول واضطراري عن التصويت كان سيكون مفضوحا لو أنه انقلب إلى فيتو من قبل روسيا التي وازنت بين مختلف حساباتها بشيء من الضيق والقنوط.
وهكذا وبصرف النظر عن أيِّ موقف أيديولوجي معارضٍ نتبناه تجاه السعودية والخليج، علينا أن نعترف بكل الإتصاف والتجرد بأن القرار 2216 كان أول قرار يصدر عن مجلس الأمن منذ تأسيسه الأمم المتحدة عام 1945 بإصرار عربي واضح لا لبس فيه، رغم كل ما فيه من مساسٍ بالإستراتيجيات الأميركية، وبالمواقف الروسية المساندة للنفوذ الإيراني بدون تحفظات. وهو ما جعل كل تلك الأطراف تستميت في مواصلة اللعبة كل بطريقتها لإفشال المشروع العربي الخليجي في اليمن.
فما أن باشر المبعوث الأممي الجديد مهمات الوساطة في اليمن بعد استقالة سلفه، حتى بدأ يتذمر منه اليمنيون بعدما لاحظوا فورا أنه لا يختلف عن سلفه، وأنه بدأ ينتهج نهجَه ذاتَه، وأنه يحاول استرضاء الإيرانيين والروس والأميركان بالأساس من خلال استرضاء الحوثيين، ومنحهم الفرص، ومحاولة القفز على القرار 2216، واستدراج الحكومة اليمنية الشرعية والقوى السياسية اليمنية إلى مفاوضات غير مشروطة من خارج عباءة ذلك القرار الأممي، الذي شعرت الدول الكبرى الأساس وهي روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا بأنها أجبرت عليه في ظرف لم يكن بإمكانها أن ترفضه، وأن عليها الآن من خلال المبعوث الأممي الجديد أن تُفَرِّغَه من مضمونه، وأن تحيِّدَه وتؤسِّسَ لمسارٍ جديد للصراع في اليمن وللمشروع الخليجي السعودي فيه، ليس بعيدا عن المقاربة الأميركية التي تتماهي في الأساس مع التوافقات الإيرانية الأميركية المدعومة روسيا بطبيعة الحال.
وما كانت الدعوة لمؤتمر جنيف في الثامن والعشرين من الشهر الماضي سوى خطوة في هذا الطريق، فمع أن أحدا لم يهدِّد الحوثيين وحليفهم صالح بتحركات أممية بموجب الفصل السابع الذي اتخذ القرار 2216 تحت عباءته، رغم استهتارهم به، ورفضهم لكل ما جاء فيه، وعدم تطبيقهم لأي بندٍ من بنوده، لأنهم فهموا أن أربعة من الخمسة الكبار يقفون إلى جانبهم إن تمكنوا من تحقيق إنجازات على الأرض، تتيح الفرصة لهؤلاء الكبار ليفشلوا التبعات السياسية للقرار الأممي، إلا أن المسألة لم تقف عند هذا الحد، إذ ما أن فشلت الأمم المتحدة في عقد مؤتمر جنيف في ذلك التاريخ المستعجِل بدون الاعتماد على المرجعيات التي أسس لها القرار 2216، وهي مُخرجات الحوار الوطني، وبيان مؤتمر الرياض، بسبب الإصرار الخليجي من جهة، وفشل الحوثيين في تقديم أي دعم عسكري حقيقي للخطوات السياسية العاملة على إجهاض ذلك القرار وتغيير حاضنة التحرك السياسي من مرجعيته إلى مرجعيات أخرى غيره، حتى بادر الأمين العام للدعوة إلى مؤتمر آخر في جينيف في الرابع عشر من الشهر الجاري محاولا كل ما في وسعه أن يؤسِّس فيه لمرجعيات جديدة غير مشروطة، إلا أن اليمنيين وبتنسيق مع السعودية قطعا رفضو أن يكون ذلك مؤتمرا تفاوضيا، بل لقاء تشاوريا للنظر في كيفية تطبيق بنود القرار 2216.
خلاصة القول (!!)
إن هناك حرصا أميركيا على تفريغ الفعل الخليجي في اليمن بالقيادة السعودية سياسيا وعسكريا من مضمونه المناوئ للإستراتيجيات الأميركية القائمة على رسم سياساتها في الإقليم في ضوء التوازنات في المصالح بينها وبين إيران، والتي كانت قائمة على فتح الباب واسعا في اليمن أمام إيران عبر الحوثيين، مقابل تغييرات مهمة في سوريا ولبنان للأسباب التي ذكرناها سابقا.
ولأن السعودية برفقة حلفائها – الذين هم مع الأسف وظيفيون جميعهم بلا استثناء – تمكنت من استصدار قرار أممي صارم وحازم رغم أنف كل معارضيه، سواء كانت معارضتهم له ضمنية أو علنية، فإن الولايات المتحدة ما تزال تعمل كل ما في وسعها لتفريغ ذلك القرار من مضمونه وإفقاده قيمته الإلزامية بحرف المسار السياسي للصراع في اليمن باتجاه مرجعيات جديدة مغايرة لمخرجاته، تُحَرِّرُها من مُخرجات القرار ومتطلباته، ولعل ما حاولته روسيا في دعوتها لجلسة سرية لمجلس الأمن، وطرح بريطانبيا لمبادرة مثيرة للسخرية كمرجعية جديدة للحوار السياسي فيها استهتار واضح بمجلس الأمن وقراراته السابقة، تعمل كلها في هذا الاتجاه.
وما يزال التجاذب قائما في هذه الأزمة التي تبدو كلعبة عض الأصابع، أي طرفي اللعبة يصرخ أولا.
فهل تنجح المحاولات الأميركية عبر مجلس الأمن والمبعوث الأممي في إعادة الأزمة اليمنية إلى سابق عهدها ما قبل “عاصفة الحزم”، أم أن أصحاب المشروع الخليجي مصممون على تنفيذ مشروعهم لإثبات وجودهم لأول مرة في تاريخهم.
وهل يتمُّ تجسيد الأحلاف السرية بين الولايات المتحدة وإيران في اليمن على النحو الذي كان يريده الأميركان قبل المفاجأة الخليجية، أم أن واشنطون اقتنعت بأن السعودية وحلفاءها مصممون على فرض إرادتهم في الخاصرة السعودية الرخوة بما تمليه مصالحهم كما يرونها، لا كما تُفَصِّلُها معبودتهم التاريخية.
وهل سينصاع العالم للإرادة الخليجية في تطبيق القرار 2216، أم أن هذا القرار الذي صدر تحت متطلبات البند السابع، سيوضع في الأدراج، كما وضعت القرارات 2051، و2140، و2201، و2204، الصادرة كلها عن مجلس الأمن، والتي كانت كلها صارمة حازمة دون أن تحاول واشنطون إظهار “العين الحمراء” لمن صدرت في حقهم ولو مرة واحدة، طاوية ملفات هذه القرارات كما كانت وما تزال تطوي ملفات كل القرارات المتعلقة بإسرائيل ولا فرق، على الرغم من أنها استعجلت دائما تطبيق أيِّ قرارات كانت تخص العراق إلى درجة أن احتلاله وتدميره تمَّ تنفيذه بدون أي قرارات دولية واستنادا إلى أكاذيب لم تكلف واشنطون بعد تدمير هذه الدولة وإدخالها أنفاق القرون الوسطى أكثر من كلمة: “لم تكن معلوماتنا الاستخبارية بشأن أسلحة العراق غير التقليدية دقيقة” (!!)
دعونا نتابع الأحداث ومجرياتها ولا نتعجل.
فقد صدق الكذوب لأول مرة، ولا أجدني إلا مجبرا على الاعتراف بأنه صَدَقَ رغم تاريخ كذبه المديد.
لكن هذا لا يعني أن أغفر له كذبه، أو أن أعتبره وقد تحول إلى صدوق، فالصدوق لا يكذب أصلا، وإن كان قد قرَّر التطهُّرَ من كذبه، فللمسألة استحقاقات أخرى كثيرة لا تقف عند حدِّ اليمن ومشروع السعودية وحلفائها فيه
، فالقضايا العربية التي تتطلب قرارات شبيهة في استقلالها وحزمها كثيرة، وليست القضايا المنبثقة عن الصراع العربي الإسرائيلي عنا ببعيد.

ربما يعجبك أيضاً...

اخلاء مسؤولية : جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

كلمة رئيس التحرير

  • عيد لم يمر أسوأ منه على العرب عيد لم يمر أسوأ منه على العرب

    – مر الشهر الكريم، وصدق وعد الله عز وجل بألا يغير حال قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم! كل الأوجاع التي مرت على العرب، لم تتضافر معاً فطالت كل شبر من الأرض العربية كما حصل في

كاريكاتير

تقارير دولية